بعد أن انفضَّ صيف الباحة أوراقَه الأخيرة، واختتمت محافظات السراة موسمًا جيدًا، شهد إقبالًا كبيرًا من الزوّار والمصطافين، بات من الضروري قراءة هذا المشهد وما يحمله من دلالات واضحة.
أولًا: يشير ارتفاع نسبة الزوار إلى ازدهار السياحة الداخلية في المملكة خلال السنوات الأخيرة، وتوجّه الكثير من المواطنين والمقيمين نحو الوجهات الجنوبية كالطائف والباحة وعسير، طلبًا لاعتدال المناخ، وجمال الطبيعة، وهدوء الجبال.
ثانيًا: أثبت الموسم أن الطاقة الاستيعابية لقطاع الإيواء في الباحة ما زالت أقل من مستوى الطلب، إذ لم تتمكن مرافقها الحالية من استيعاب قوافل المصطافين الذين توافدوا إليها. وهذا ما يدفع إلى ضرورة التوسّع في الخدمات السكنية؛ ليس عبر منشآت فاخرة فحسب، بل من خلال توفير وحدات سكنية مناسبة تلتزم باشتراطات وزارة السياحة في النظافة والسلامة وجودة التجربة.
ومن هنا يبرز مقترحٌ مهم: تنشيط السياحة الريفية عبر استثمار الوحدات السكنية الخاصة المملوكة للأهالي، ولا سيما المنازل المهجورة المبنية بالحجر أو الإسمنت، وإعادة تأهيلها لتتحول إلى نُزُل ريفية جاذبة. فهذه المباني، بما تحمله من طابع تراثي وخصوصية معمارية، تمثل عنصر جذب سياحي مهم، خصوصًا للزوّار الأجانب الباحثين عن تجارب أصيلة تلامس روح المكان.
ولتحقيق هذا التوجّه، تتطلب المرحلة خطوتين أساسيتين:
1. حصر المنازل والمواقع القابلة للتحويل إلى وحدات ريفية وفق معايير مبدئية تضمن سلامتها وقابليتها للتأهيل.
2. إطلاق حملات تسويق إعلامية وتجارية بعد تطوير تلك الوحدات، وربطها بالمنصات السياحية الرسمية، وإدراجها ضمن خارطة التجارب السياحية في المنطقة.
كما تبرز قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي وجود مساحات واسعة من الأراضي المملوكة للأهالي لكنها غير مستثمرة، رغم قدرتها على احتضان منتجعات صغيرة، ووحدات سكنية، وأسواق تقليدية، ونُزُل ريفية. ويمكن عبر شراكات فاعلة بين الأهالي ورجال المال والأعمال إنشاء مشاريع سياحية صغيرة ومتوسطة؛ تلبي احتياجات الزوار، وتحقق عوائد مجزية، وتنعش الحركة الاقتصادية في تلك المواقع الواعدة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: من هي الجهة القادرة على حصر تلك المواقع وتوجيه الاستثمار فيها؟
منطقيًّا، تبدو وزارة السياحة الأجدر بهذا الدور، لما تملكه من أدوات تنظيمية وتشريعية وخبرات ميدانية تؤهلها لقيادة هذا التحول.
وفي الختام، لا بد من التذكير بأن السياحة صناعة متكاملة الأركان، لها أدواتها واقتصادها ومردودها العالي. وما تحتاجه الباحة اليوم هو الاستثمار الأمثل في هذه الصناعة الواعدة، لاستثمار جمال طبيعتها وثراء تراثها وارتفاع الطلب عليها، بما يضمن نموًا مستدامًا ويضعها في موقعها اللائق على خارطة السياحة الوطنية











