رجل في الثمانين من عمره يجلس مع أحفاده، يبدأ في سرد قصته. يتحدث عن طفولته، عن أيامهم البسيطة والمليئة بالتحديات، عن فرحهم وأحزانهم، وعن لحظات الخوف والأمل التي عاشوها. كل كلمة تجسّد حياة مختلفة، وتحول التاريخ من فترات زمنية جامدة إلى ذاكرة ملموسة تنقل تجارب الإنسان وتفاصيل يومه العادي وعلاقاته بالمجتمع الذي نشأ فيه.
ومن خلال هذه القصص وتجارب الأجداد، نفهم كيف شكّلت تلك اللحظات حياة الأجيال القادمة. وهنا يظهر معنى يوم التأسيس، ليس مجرد تاريخ مسجّل، إنما تجربة وطنية تحافظ على ذاكرة الأمة وهويتها. يمثل هذا اليوم البداية التي أسست كيان الدولة، ويسلّط الضوء على جهود الأجداد في بناء المجتمع وإرساء قيمه ومبادئه. كما يعكس وحدة الشعب وارتباطه بوطنه، ويحفّز الأجيال الجديدة على التعرف إلى الإرث التاريخي والانتماء لمسيرة وطنية مستمرة، جعلت المملكة صامدة ومتقدمة عبر العصور. وهي روايات صمدت عبر القرون، وتناقلتها الأجيال بصدق وفخر، لتحفظ لنا روح التأسيس التي لم تدوّنها الأقلام في حينها.
ومن هذه الذاكرة الواقعية، انطلقت جهود وطنية لتوثيق هذا التاريخ الشفهي، من خلال مبادرات مؤسسية تهدف إلى حفظ أصوات الأجداد وتجاربهم للأجيال القادمة.
فدارة الملك عبدالعزيز لعبت دورًا رائدًا في جمع روايات كبار السن، وإجراء المقابلات معهم بشكل منهجي لتوثيق تفاصيل حياتهم اليومية، الأحداث التاريخية، والعلاقات الاجتماعية، بما يضيف بعدًا إنسانيًا للتاريخ. هذه الجهود لم تقتصر على مجرد التسجيل، بل شملت تنظيم المادة التاريخية، وأرشفتها بشكل علمي، وتوفيرها للباحثين، لتكون مصدرًا حيًا يعكس حياة المجتمع في بدايات الدولة.
أما مكتبة الملك فهد الوطنية، فقد أطلقت منذ أكثر من ثلاثين عامًا برنامج التاريخ الشفوي للمملكة، بهدف توثيق ذكريات وتجارب شخصيات بارزة من الأدباء والمثقفين ورواد الفكر، عبر مقابلات مسجّلة بالصوت والصورة. يضم هذا البرنامج شهادات عن الحياة الثقافية والاجتماعية والفكرية في المملكة، ويكمل ما دونته الوثائق والمواد التاريخية المكتوبة، مما يوفر للباحثين مصدرًا مباشرًا لفهم الماضي كما عاشه الناس.
كما تأتي بوابة الدرعية نموذجًا حيًّا للتاريخ الشفهي. أطلق مشروع التاريخ الشفهي للدرعية لتوثيق شهادات كبار السن وتسجيل أحداث المدينة، عاصمة الدولة السعودية الأولى، مع الحفاظ على التسلسل الزمني والتفاصيل الدقيقة. ويشمل المشروع أيضًا توثيق دور المرأة عبر مشروع التاريخ الشفهي للمرأة في الدرعية، وحفظ إرث العرضة السعودية، وتسجيل الإنتاج الزراعي للمدينة، ليقدّم هذا كله صورة متكاملة عن الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في الماضي، ويقرب الأجيال الجديدة من الذاكرة الوطنية التي نفخر بها.
ختامًا، يتجلى لنا في احتفالنا بيوم التأسيس جوهر هذه المبادرات الوطنية، التي لم تحفظ مجرد معلومات، بل صانت ذاكرة وطن لتنتقل للأجيال القادمة، لتخبرهم بصدق عن جذورنا وكيف بدأت حكايتنا، وكيف صاغ الأجداد بعزيمتهم معالم الحياة التي نعيشها اليوم.











