مع الناس- جمعان الكرت
لم يكن العلّامة حمد الجاسر "يرحمه الله "مجرد باحث في بطون الكتب، أو رحّالة يعبر المفازات متتبعًا أسماء مواضع المدن والقرى؛ بل كان مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، حمل همّ المعرفة على كتفيه، ووهب عمره لتوثيق تراث الجزيرة العربية وتاريخها وأنسابها، حتى غدا واحدًا من أبرز رجالات الفكر في القرن العشرين.
وقد شكّل الجاسر علامة فارقة في دراسة الجغرافيا التاريخية للجزيرة العربية؛ فقد أعاد قراءة أسماء المواضع وحقّق نصوصها القديمة وربطها بالواقع المعاصر، متميّزًا بدقته المتناهية وحرصه على منهج علمي صارم جمع فيه بين الفطنة اللغوية والبصيرة التاريخية والرحلة الميدانية. وكانت تحقيقاته الجغرافية والتاريخية من أجود ما قدّمه للمكتبة العربية في القرن الماضي.
في عام 1390هـ قام الجاسر برحلة علمية إلى منطقة الباحة، كانت واحدة من رحلاته الميدانية. تجوّل في مرتفعات السراة وسهول تهامة، ووقف على أسماء القرى والوديان والجبال، مسجّلًا ما يسمعه من الأهالي، ومقارنًا ذلك بما ورد في مصادر التراث. وقد أثمرت رحلته هذا العمل المرجعي المهم الذي ضمّنه في كتابه الشهير “في سراة غامد وزهران: نصوصمشاهدات وانطباعات”، حيث وثّق البنية الجغرافية للمنطقة، وقبائلها، ومواضعها ذات العمق التاريخي مثل وادي بيدة وجبال دوس، معيدًا عبره رسم خريطة دقيقة لتاريخ المكان وجغرافيته.
وعرفتُ العلّامة حمد الجاسر عندما كنت طالبًا في جامعة الملك عبدالعزيز، من خلال مكتبتها الشهيرة التي كانت تحتضن كتبه، وفي مقدمتها كتابه “في سراة غامد وزهران”. وحين تصفحته أدركت حجم الجهد الذي بذله—رغم صعوبة الطرق ووعورة المسالك آنذاك—لتقديم سفر تاريخي وجغرافي يُعد اليوم من أهم المراجع المعتمدة عن منطقة الباحة. ولا شك أن التسهيلات التي قدّمتها إمارة منطقة الباحة في عهد أميرها الراحل سعود السديري – رحمه الله – كان لها أثر في مساعدته على إنجاز ما قصد إليه. وكذلك عندما استضافته جامعة الملك عبدالعزيز لمحاضرة ألقاها عن مدينة جدة والخلاف الذي وقع بين المهتمين بتاريخ جدة حول جيم جدة هل هو بالفتح أم الضم أم الكسر وقد امتلأت القاعة وقتها بالحضور .
ومما دوّنه الجاسر وصفه الدقيق لزيارته سوق رغدان التاريخي، حيث قال:
“وكان المسير من مقر الإمارة في الظفير في صباح يوم الأحد في سيارة صغيرة (جيب) لأن أكثر طرق السراة لا يستطيع اجتيازها إلا هذا النوع من السيارات أو ما ماثله. كان المسير نحو الباحة، والاتجاه نحو الشمال الشرقي، وعداد المسافات في السيارة بالأميال لا بالأكيال. وبعد قطع ثلاثة منها كان المرور ببلدة رَغدان، وهي من أشهر قرى هذا الوادي، وفيها سوق أسبوعي يقام يوم الأحد. مررنا به وتزوّدنا بقليل من الفاكهة، فقد رأيتُ فيها من الموز ما أعجبني منظره، فالإصبع منه قريب من حجم الباذنجانة المتوسطة، ورائحته ذكية. ورأينا في السوق أنواع الفواكه الشامية، وبعض المنسوجات والمصنوعات والمنتجات الزراعية، ومن أجودها القهوة البرّية التي يقولون إنها تُزرع في جبل شدا في تهامة، الذي يبدو شامخًا عندما يطل المرء من مرتفعات السراة نحو الغرب.”
وكان هذا الوصف—بعمقه ودقته—صورة حية لسوق رغدان في ذلك الوقت، الذي كان يعج بالباعة والمتسوقين من مختلف أنحاء المنطقة. وقد رصد الجاسر بعين الباحث الحصيف كل ما يمر به: من المنتجات إلى حركة الناس إلى تضاريس المكان، مهتمًا بالمواضع ذات الدلالة التاريخية، ومقارنًا بين ما يراه وما قرأه في كتب الأخبار القديمة.
وقد اعتمد الجاسر في دراسته للباحة منهجًا علميًا متكاملاً يجمع بين التحقيق النصي والمعاينة الميدانية والرواية الشفوية.
فقد بدأ بتجميع ما ورد في كتب التراث الجغرافي عن سراة غامد وزهران، مستقصيًا أسماء المواضع والقبائل والطرق القديمة، ثم قارنها بما يجده على أرض الواقع؛ يتوقف عند كل وادٍ وجبل وقرية، ويسأل الأهالي عن تسميات الأمكنة وأصولها، ثم يوازن بين الرواية الشفوية والبيانات النصية في كتب التراث.
كما اتسم منهجه بالاحتراز العلمي؛ فهو لا يقدّم رأيًا إلا مقرونًا بما يدعمه من شواهد لغوية وتاريخية وجغرافية، ويشير إلى مواضع الشك، ويُرجّح ما يراه أقرب للصواب. ومن بينها رأيه في موقع جرش إذ تلبّس بعض المهتمين بالتاريخ أنها بلجرشي، وقد منح ذلك أعماله مصداقية كبيرة لدى الباحثين، وجعل من دراسته للباحة مرجعًا رئيسًا لا يُستغنى عنه.
لقد كان حمد الجاسر—يرحمه الله—أحد الشهود الكبار على تاريخ الجزيرة العربية وتاريخ وجغرافية منطقة الباحة ..











