تقرير مصور : إعداد- رئيس التحرير، تصوير المبدع- منصور ناهي
من المعالم التي تتميَّز بها قرية قذانة كثرة الحصون الحجرية القديمة التي تنتشر في محيطها الزراعي وعلى مرتفعاتها، في مشهد يعكس عمق الوعي المكاني والإنساني لدى الأقدمين. وقد شُيّدت هذه الحصون من الحجارة المحلية بإحكام ودقة، لتؤدي أدواراً متعددة تتجاوز مجرد البناء، وتُمثِّل منظومة متكاملة للحماية والتنظيم الاجتماعي والزراعي.
ففي أوقات الأمطار والسيول، كانت الحصون تُشكِّل مأوى آمن للمزارعين يحتمون بها من تقلبات الطقس، كما أدَّت دوراً مهماً في رسم الحدود بين القرى المتجاورة، بما يسهم في تنظيم الأراضي الزراعية وتقليل الاحتكاك بين السكان، وأحياناً تتحول إلى دروع ومصدَّات دفاعية تُوفِّر الحماية للسكان في ذلك العصر.
كانت الحصون تُقام في مواقع مرتفعة بعناية، لتتيح مراقبة المزارع ليلاً ونهاراً، وحمايتها من السرقات أو الاعتداءات، ما يعكس إدراكاً مبكراً لأهمية الموقع الجغرافي في تحقيق الأمن. ولم يكن اختيار المكان أو أسلوب البناء عشوائياً، بل جاء ثمرة خبرة طويلة في التعامل مع البيئة والطبيعة.
وتبقى هذه الحصون حتى اليوم شاهداً حياً على قوة وصلابة البناء القديم، إذ ما زالت قائمة رغم تعاقب السنين وتعرُّضها لعوامل التعرية من رياح وأمطار وتقلبات مناخية، دون أن تفقد تماسكها أو ملامحها الأساسية؛ يعكس هذا الصمود إتقان الأقدمين لفنون البناء بالحجر، ومعرفتهم بخصائص المواد وأساليب الرص والتثبيت.
إنَّ حصون قذانة لا تُمثِّل مجرد أطلال حجرية، بل هي تراث معماري وإنساني يحكي قصة مرحلة تاريخية كان فيها الحصن جزءاً من الحياة اليومية، وضرورة تفرضها الطبيعة والظروف الاجتماعية. وهي اليوم تُعد معلماً تراثياً يستحق التوثيق والحماية، بوصفه ذاكرة للمكان، ودليلاً على حكمة الإنسان القديم في التعايش مع بيئته وصناعة الأمان بموارد بسيطة وإرادة صلبة.
ومن هنا، فإن إدراج حصون قذانة ضمن قائمة المواقع التراثية، والعمل على توثيقها وصيانتها، يُعد خطوة ضرورية للحفاظ على هذا الإرث التاريخي، وتعزيز حضوره في الذاكرة الوطنية، وإتاحته للأجيال القادمة بوصفه معلماً يعكس أصالة المكان وعمق التاريخ.
ملحوظة/ تُظهر المشاهد المصوَّرة تهاوي الرأس العلوي والحزام الدائري لبعض الحصون وتساقط أجزاء منها، نأمل ونرجو من فرع هيئة التراث والثقافة بالباحة الوقوف على الواقع وإعادة ترميم الحصون الآيلة للسقوط، حفاظاً على هذا الإرث التاريخي ليبقى شاهدًا حياً لأطول فترة ممكنة.
























