لم يعد التعليم اليوم مُجرَّد تلقين للمعلومات أو تدريب على القراءة والكتابة، فهذه مهارات باتت متاحة للجميع عبر الشبكة العنكبوتية ومصادر المعرفة المفتوحة، غير أن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه: هل مدارسنا مُهيَّأة لتزويد الطالب بالمهارات الحياتية – أم يقتصر دورها على التلقين والحشو بالمعلومات؟.
غياب التربية الأسرية والمهارات الحياتية جعل كثيراً من الناشئة تفتقر إلى أبسط مقومات إدارة الحياة اليومية، فلا إجادة حقيقية للفتيات على تدبير شؤون المنزل، ولا وعي كافٍ بأساليب التربية السليمة للأبناء، ولا معرفة عملية بكيفية بناء أسرة مستقرة قائمة على التفاهم والمسؤولية المشتركة.
في الشارع، تظهر آثار هذا القصور التربوي بوضوح؛ فالرعونة في القيادة، وعدم احترام أنظمة المرور، والاستخفاف بالطوابير والنظام العام، والتجاوز في القول والفعل، كلها مظاهر لا يمكن فصلها عن غياب التربية المدنية والسلوكية في التعليم، إذ لم يتعلم الطالب منذ الصغر معنى النظام ولا حدود الحُريَّة ولا قيمة احترام الآخرين.
يزداد الأمر تعقيداً حين نجد اختلافاً حاداً في مفاهيم الناس حول ما لهم وما عليهم، بعضهم يرى في التجاوز حقاً مشروعاً، ويرى في احترام النظام ضعفاً، تلك المفاهيم المختلة لا تعكس قلة تعليم ومعارف بقدر ما تعكس خللاً تربوياً وثقافياً متجذراً؛ قد تجد أحياناً متعلماً يحمل أعلى الشهادات، لكنه يفتقر إلى أبسط مهارات التعامل الإنساني، لأنه لم يتلقَّ تربية حياتية تُصحِّح ما تشرَّبه من بيئته الأولى في المنزل.
في ذات السياق، طالب الجامعة – مثلاً- قد يدرس موضوعات أكاديمية بحتة -الدراسة النظرية- طيلة دراسته في "حياة الجامعة"، لكنه يجهل – التطبيق العملي- "جامعة الحياة" التي تتطلب وعياً بالحقوق والواجبات، والقضايا القانونية، وكيفية الدفاع عن النفس أمام الظلم أو التنمر أو الاعتداء أو الاستغلال.
من هنا تبرز الحاجة الماسَّة إلى إدخال مفاهيم التربية القانونية المبسطة في التعليم، ليعرف الطالب كيف يحمي نفسه، وكيف يطالب بحقه، وكيف يؤدي واجبه، وكيف يتصرَّف إذا تعرض للأذى، فالقانون لم يعد شأناً خاصاً بالمحاكم، بل ضرورة يومية لكل فرد في المجتمع.
نحن بحاجة إلى تعليم الناشئة تفاصيل الحياة التي تبدو بسيطة لكنها تصنع الإنسان السوي: كيف يعتني بنفسه، كيف يحافظ على صحته، كيف ينظم مظهره، كيف يدير ماله، كيف يرعى أسرته، كيف يحترم الطريق والجار والمكان العام، كيف يوازن بين مصلحته الخاصة والمصلحة العامة.
إنَّ التعليم الذي لا يصنع هذه القيم والمهارات، مهما بلغ من التفوق الأكاديمي، يظل تعليماً ناقصاً، لأن الغاية الحقيقية من التعليم ليست تكديس المعلومات، بل بناء إنسان قادر على التعايش الإيجابي، واحترام النظام، وتحمل المسؤولية، والمشاركة الواعية في بناء المجتمع.
ختاماً: المطلوب اليوم ليس مُجرَّد إضافة مادة دراسية أو تعديل منهج، بل إعادة بناء فلسفة التعليم نفسها، لتتحول من "تعليم من أجل المعرفة" إلى "تعليم من أجل الحياة"، ومن صناعة الطالب "المتفوق" إلى صناعة "المواطن الصالح"، لأن الأمم لا تنهض بكثرة الشهادات وحدها، بل بوعي الإنسان الذي يحملها.











