تشهد الساحة الدولية تحولات متسارعة جعلت بعض الدول الصغيرة — بحكم موقعها أو مصالحها — تمارس أدواراً سياسية تتجاوز حجمها الجغرافي أو السكاني، في حين كان من المتوقع أن يكون هذا الدور في إطار تعزيز التضامن العربي وخدمة الاستقرار الإقليمي، غير أن الواقع يكشف أحياناً عن تباين في السياسات والمواقف، الأمر الذي أسهم في اتساع فجوة التنسيق العربي في القضايا المشتركة.
لقد أثبت التاريخ أن تماسك الدول المتجاورة سياسياً واقتصادياً يُمثِّل عامل قوة واستقرار للجميع، فاستقرار دول الجوار ينعكس إيجاباً على أمن جيرانها وتنميتهم؛ وعلى العكس من ذلك، فإن الأزمات والصراعات لا تقف عند حدود جغرافية، بل تمتد آثارها إلى الإقليم بأكمله.
في الشرق الأوسط تحديداً، تتقاطع مشاريع إقليمية تسعى إلى توسيع النفوذ بوسائل مختلفة. فإيران، على سبيل المثال، تعتمد على الامتداد الفكري والسياسي عبر جماعات موالية لها في عدد من الدول، وهو ما يظهر في المشهد اليمني من خلال دعم جماعة الحوثي وسيطرتها على شمال اليمن، الأمر الذي انعكس على أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وبحر العرب، وخاصة في مضيق باب المندب الذي يمثل شرياناً تجارياً عالمياً مهماً.
في المقابل، لا تُخفي إسرائيل سعيها إلى تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في المنطقة عبر الاستفادة من التحولات الدولية والإقليمية، ومن إقامة علاقات دبلوماسية مع بعض الدول، بما يمنحها مساحة أوسع للتأثير في محيطها الإقليمي.
في ذات السياق، فإن حالة الاضطراب التي شهدتها بعض الدول العربية، كالصومال والسودان وليبيا واليمن، أوجدت بيئة أكثر تعقيداً في النظام العربي، وفتحت المجال لتدخلات إقليمية ودولية متعددة، فالدول العربية تعاني من الانقسام السياسي في علاقاتها خلال العقود الماضية، وبدلاً من ترميم تلك العلاقة عبر توحيد الصف، برزت بعض الدول العربية التي زادت من هذا الشرخ عبر تقسيم العرب جغرافياً اعتماداً على ما لديها من فائض مالي رغم أنها لا تملك تاريخاً يؤهلها لتصدر المشهد أو توسيع النفوذ سوى تنفيذ مطامع إسرائيل داخل العمق العربي.
هذه المعطيات تفرض على الدول العربية التفكير في مشروع عربي مشترك يقوم على حماية الأمن الإقليمي وتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي، لا بوصفه رد فعل مؤقت، بل باعتباره رؤية استراتيجية طويلة المدى؛ فالعالم اليوم تحكمه التكتلات الكبرى، ولا يمكن لأي دولة — مهما بلغت قوتها — أن تواجه التحديات منفردة.
من هنا تبرز أهمية الانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة التعاون العملي، بدءاً بالتكامل الاقتصادي وتنسيق السياسات التنموية، وصولاً إلى بناء مواقف سياسية مشتركة في القضايا المصيرية؛ فالتجارب الدولية تؤكد أن التعاون الاقتصادي غالباً ما يكون المدخل الحقيقي لأي وحدة سياسية مستقبلية.
إن وحدة الصف العربي ليست خياراً مثالياً فحسب، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة؛ وكُلَّما نجحت الدول العربية في بناء مساحات تعاون حقيقية، زادت قدرتها على حماية استقرارها وصون مصالح شعوبها.











