موضوع الإرث من القضايا الاجتماعية الشائكة التي لا تظهر إشكالاتها غالباً إلا بعد وفاة المورِّث، حين تتحول التركة من وسيلة خير وبركة إلى سبب خلاف ونزاع بين الورثة، ويزداد الأمر تعقيداً في مجتمعاتنا المحلية كون معظم التركات لا تكون أموالاً نقدية سهلة القسمة، بل تكون في صورة عقارات من أراضٍ زراعية أو سكنية، ومنازل شعبية، ومزارع، ومقتنيات مختلفة، وهي أصول ثابتة لا يمكن تقسيمها بسهولة، وقد يؤدي تقسيمها بطريقة غير مدروسة إلى تعطيل الانتفاع بها أو إلى فقدان جزء من قيمتها أو إلى نشوء خصومات طويلة بين الإخوة والأخوات.
في هذا السياق يختلط عند بعض الناس الفرق بين الإرث الذي لا يتم إلا بعد الوفاة وفق القسمة الشرعية المعروفة، وبين العطاء أو الهبة التي يجوز للوالدين تقديمها لأولادهم في حياتهم إذا تحرّوا العدل فيما بينهم؛ فالوالدان في الغالب لا يحملان في قلبيهما إلا الخير لأبنائهما وبناتهما، ويحرصان على الإنصاف بينهم، في حين قد تتغير النفوس بعد الوفاة بفعل الطمع أو سوء الفهم أو تدخل الآخرين، فتبدأ الخلافات التي قد تصل أحياناً إلى القطيعة، وهو واقع اجتماعي لا يمكن إنكاره في القرى والضواحي عادةً، قد يختلف الورثة على مكان العقار أو طبيعته أو في طريقة توزيع التركات.
أظهرت التجربة العملية جانباً من هذه المعاناة عندما كنت أعمل في مكتب خدمات عامة، كان يراجع المكتب رجال ونساء لوجود خلافات فيما بينهم في تقسيم التركات، يبحثون عن حقوقهم لدى الإخوة الكبار الذين استأثروا بالتركة دونهم، هذه المواقف تكشف أن النزاع لا يكون دائماً بسبب قلة المال، بل أحياناً بسبب غياب التنظيم والإنصاف منذ البداية.
في الغالب تتفاقم الخلافات نتيجة تدخلات الآخرين، كأزواج بعض البنات، أو بسبب هيمنة بعض الإخوة الأقوى نفوذاً على بقية الورثة، خصوصاً إذا كان بينهم من يملك المال أو القدرة على تعطيل الإجراءات وإشغال إخوته بالمراجعات والدعاوى، وفي المقابل قد يختار بعض الورثة التنازل عن حقه حفاظاً على صلة الرحم، أو لعجزه عن متابعة الإجراءات، أو لجهله بحقوقه، فينشأ الشقاق الصامت داخل الأسرة.
تبرز في هذا الجانب مشكلة أخرى تتعلق بحقوق البنات، حيث قد تتنازل بعضهن بدافع الحياء أو الخوف من توتر العلاقة الأسرية، أو اعتقاداً بأن بقاء الحق عند الإخوة يمثل نوعاً من الضمان الاجتماعي لهن في المستقبل، مما يؤدي في بعض الحالات إلى ضياع حقهن الشرعي؛ لذلك فإن الحديث عن الإرث لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مسألة فقهية بحتة، بل هو أيضاً قضية اجتماعية وأسرية تتطلب وعياً وتثقيفاً مستمراً يحفظ الحقوق ويصون صلة الرحم.
من هنا تظهر أهمية تنظيم الأملاك وتوثيقها بوضوح في حياة الوالدين، وكتابة وصية واضحة، وبيان حدود الملكيات، وتقييم العقارات تقييماً عادلاً، ومحاولة الوصول إلى اتفاق أسري مبكر يراعي مصلحة الجميع، مع إبقاء ما يحتاجه الوالدان لأنفسهما؛ فمثل هذه الخطوات لا تعني تقسيم الإرث قبل وقته، وإنما تعني إدارة التركة إدارة حكيمة تمنع النزاع مستقبلاً وتحفظ الحقوق لجميع الورثة دون استثناء.
إنَّ الحاجة اليوم ليست في تغيير أحكام الإرث الشرعي، فهي واضحة ومعلومة، وإنما إلى مزيد من التوعية والتنظيم والتقنين للإجراءات المتعلقة بالتركات، من خلال الإرشاد الأسري، والخطب التوعوية، والبرامج المجتمعية، التي تشجع كبار السن على توثيق أملاكهم، وكتابة وصاياهم، وتحقيق العدل بين أبنائهم وبناتهم في حياتهم، حتى تبقى التركة سبباً للمودة والتكافل، لا باباً للخلاف والخصام.











