في المرحلة الابتدائية كانت الفصول تتحوَّل عند غياب المعلم أو في أوقات الفراغ إلى ساحة انقسام داخلي بين الطلاب، ينشأ فريقان يتواجهان بدافع الملل أو حب الغلبة أو إثبات الذات، يبدأ الأمر مزاحاً ثم يتطور إلى خصام ورُبَّما إلى مضاربات تمتد آثارها إلى خارج أسوار المدرسة؛ وفي تلك المشاهد البسيطة كانت تَتشكَّل أمامنا صورتان متناقضتان، لكنهما في الحقيقة تعكسان أنماطاً إنسانية تتكرَّر في المجتمعات على اختلاف أحجامها.
الصورة الأولى هي صورة الطالب "المُحايِد"، ذلك المؤدَّب الهادئ الذي يقف في المنتصف، لا ينتمي إلى فريق، ولا يرغب في الخصام، يَظُن أن الحياد يحميه، وأنَّ الابتعاد عن الصراع يجنبه الأذى، لكنَّه كثيراً ما يصبح الضحية، يتلقى الضرب من الطرفين، ويجد نفسه في موضع الشكوى، ليس لأنه معتدٍ، بل لأنه بلا سند، وقد لا يُنصف، بل قد يُساء فهمه أو يُحمَّل ما لا يحتمل، فيخرج من النزاع مثقلاً بالأذى؛ وهكذا يتعلَّم أن الوقوف في المنتصف داخل أجواء مشحونة لا يكفي وحده لصناعة الأمان.
أمَّا الصورة الثانية فهي صورة الطالب "الطَبَّال، الذي لا يتقدَّم الصفوف، لكنه يُجيد قراءة موازين القوة، فإذا احتدم الصراع راقب العدد والنفوذ، ثم انضم إلى الفريق الأقوى، يُشجِّع من الخلف ولا يكون في المواجهة، يُصفِّق ويقرع الطاولة ويرفع الحماس، دون أن يُعرِّض نفسه للخطر، وإذا تساوى الفريقان اختار الأرجح حضوراً وتأثيراً، لأن منطقه قائم على أنَّ الغلبة للأكثر قوة ولسان حاله يُردِّد قول دريد بن الصُمَّة:
"وَمَا أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ...غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ"
هذه الثنائية لا تقف عند حدود الفصل الدراسي، بل تتكرَّر في محيط أوسع؛ في بيئات العمل، وفي المجتمعات، وفي ساحات التأثير المختلفة؛ هناك من يختار الوقوف على الحياد فيجد نفسه محاصراً، وقد ينضم إلى الطرف الأقوى فيأمن المواجهة لكنَّه يفقد استقلال موقفه، فهو تابع حيث تميل الكفة، ينحاز إلى الغالب طلباً للسلامة أو المكسب، دون أن يُشغل نفسه كثيراً بموازين العدالة أو الصواب.
بين النموذجين يبقى السؤال قائماً: هل الأمان في الاصطفاف مع الغالب، أم في امتلاك موقف مستقل؟ وهل الحياد دائماً خيار آمن، أم أنَّه يحتاج إلى قوة تحميه ؟.
في الختام نقول: الدرس الذي يتكرَّر من المشهد الصغير إلى الواقع الأكبر أنَّ غياب الضبط والرؤية يخلق ضحايا ويُشجِّع على الاصطفاف مع الأقوى، أمَّا حين تتوفر بيئة واعية ومسؤولة فإنَّ الشجاعة الأخلاقية تجد مكانها دون أن يضطر أحد لأن يكون كرةً بين الفريقين (ملطشة) أو طبالاً في مؤخرة الصفوف.











