رحم الله جدي لأمي، أهدى إليَّ قبل نصف قرن كلمتين، ما زلت أسمع صداهما في أذني حتى اليوم، أستحضر معهما حكاية تختصر درساً من دروس الحياة.
كان جدي يحكي قصة رجل ميسور الحال وله مكانة بين أصحابه؛ اعتاد أن يلتقي بأصحابه كل ليلة في إحدى المقاهي لتبادل الحديث والسمر، كان يتولى دفع ثمن طعامهم وشرابهم، ويقدم لهم العون والمساعدة، كانوا ينتظرون قدومه بشغف.
ذات يوم، اجتاح سيلٌ جارف منزله القريب من الوادي، فحمله بما فيه، وضاعت أمواله ونقوده، ولم يبقَ للرجل شيء من ممتلكاته.
ركب حماره متجهاً للمقهى كعادته ليلتقي بأصحابه ليخبرهم بما حلَّ به، ويطلب منهم المساعدة في محنته، فوجئ بهم يتفرقون عنه واحداً تلو الآخر حتى خلا منهم المكان، انقطعت أخبارهم وتلاشى مجلسهم؛ عندها قال كلمته التي بقيت تتردد في الذاكرة الشعبية: «ابن عمك ريالك، واصحابك تفاريقك».
كان جدي يُردِّد عليَّ هذه الحكمة محذراً من الاغترار بكثرة الأصحاب، وناصحاً بالمحافظة على المال وحسن تدبيره، وعدم إنفاقه طلباً لرضا الآخرين أو سعياً إلى كسب ودِّهم. لم يكن يقصد بذلك التقليل من قيمة الصداقة، وإنما أراد أن يعلمني أن المواقف هي المحك الحقيقي لمعادن الناس، وأن الصديق الوفي لا يُعرف في أوقات الرخاء فحسب، بل تظهر أصالته حين تشتد المحن وتضيق الأحوال.
مضى نصف قرن على تلك الحكاية، وما زالت كلمات جدي حاضرة في ذاكرتي، تحمل درساً لا يفقد قيمته بمرور الزمن: لا تغتر بكثرة من حولك، ولا تجعل مالك وسيلة لشراء المودة؛ فأكرم الناس بقدر استطاعتك، واختر أصحابك بعناية، واحفظ ما كسبته بجهدك.
خاتمة: قرأت نصاً في عيون الأخبار يقول: إذا أردت أن تعرف صديقك فأقرضه مالاً يسيراً فإن أوفى لك بما عنده فهو صديقك وإن لم يفِ لك فلا تقترب منه، فالصديق يُعرف عندما تتقاطع المصالح، فمن يُماطلك في مالك الذي عنده لن يعطيك من ماله الذي يملكه.











