يتأكَّد لنا مع مرور الوقت أن بعض أسباب الخلافات الأُسرية التي قد تنتهي بالطلاق تبدأ أحياناً من تفاصيل يومية أساسية، من بينها تراجع ثقافة الطعام المنزلي، وضعف إتقان المرأة لشؤون المطبخ داخل الأسرة.
إلى ما قبل ثلاثة عقود من الزمن أو يزيد كانت النساء حريصات على اقتناء وقراءة كتب الطبخ، والاطلاع على الوصفات الحديثة في إعداد الطعام لتقديمه للأسرة بصورة أفضل، علاوةً على اتقان الطبخ التقليدي الشعبي الموروث من خلال الممارسة واقتفاء الأثر عبر مصاحبة الأمهات.
نعيش اليوم عصر وفرة معرفية غير مسبوقة بوجود الإنترنت واليوتيوب والمنصات الإلكترونية المتخصصة في الطبخ، ومع هذه الوفرة نرى تراجعاً واضحاً في إقبال النساء على تعلم فنون الطبخ وإتقانه، وغياب ما يمكن تسميته بروح المطبخ وحب العمل المنزلي.
تغيَّر كثيراً نمط المعيشة لدى معظم أفراد المجتمع، أصبح الاعتماد على المطابخ والمطاعم هو السمة السائدة، لا يتم النظر بعين الاعتبار لطريقة إعداد الوجبات داخل المطعم ولا مستوى نظافته، ناهيك عن استخدام مواد مضافة ومنتجات رخيصة قد ينتج عنها أخطار جسيمة.
في السياق ذاته، نرى انتشار السمنة والخمول والأمراض والتسمم الغذائي لدى الناشئة، فضلاً عن الأعباء المالية المتزايدة التي تستنزف ميزانيات الأُسَر، قد يدفع المستهلك قيمة وجبة من أحد المطاعم أضعاف قيمتها عندما يتم إعدادها داخل المنزل.
النمط السابق من الاستهلاك يُؤثِّر بشكل ملحوظ على ترتيب الأولويات في الإنفاق، ويُضعف القدرة على الادخار، ويزيد الضغوط الاقتصادية التي تنعكس سلباً على الاستقرار الأسري.
لقد حذّر القرآن الكريم من هذا المسلك في الاستهلاك بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، وأكد النبي ﷺ هذا المنهج بقوله: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ».
خلاصة القول: المال ركن أساس في تماسك الأسرة، والعودة الواعية إلى المطبخ المنزلي ليس انتقاصاً من دور المرأة، بل ضرورة صحية واقتصادية واجتماعية تُعيد التوازن للعلاقة الأسرية وتبعث روح التعاون من جديد بين أفراد المجتمع.










