يواجه المشهد الثقافي في بيروت فاجعة لم تشهدها المدينة من قبل بعد تحول مكتباتها ودور النشر فيها إلى رماد نتيجة القصف العنيف. لم تعد كلمة احترق مجرد تعبير عن حادث عرضي بل باتت واقعا مريرا يبتلع آلاف العناوين والأرشيفات الثقافية التي راكمتها أجيال طويلة من العمل الفكري والأدبي الرصين.
واضاف ناشرون ومثقفون أن الخسارة لا تقتصر على المخازن المادية التي دمرت كليا أو جزئيا بل تمتد لتطال ذاكرة مدينة كانت توصف دائما بأنها عاصمة الكتاب العربي ومنارة الفكر الحر في المنطقة. وبينت التقارير الأولية تضرر نحو 11 مكتبة ودار نشر بشكل مباشر خلال الأسابيع الأولى من المواجهات العسكرية الأخيرة مما وضع مستقبل الإنتاج الثقافي اللبناني أمام تحديات وجودية صعبة ومعقدة للغاية.
واكد مراقبون أن استهداف هذه المساحات المعرفية يمثل ضربة قاسية لهوية بيروت الثقافية التي احتضنت لسنوات طويلة النصوص الممنوعة والأفكار الجريئة. وأوضح الناشرون أن تدمير هذه المخازن يعني ضياع وثائق تاريخية ومخطوطات لا تقدر بثمن مما يؤدي بالضرورة إلى انقطاع في سلسلة المعرفة التي كانت تربط القراء اللبنانيين بمحيطهم العربي.
بيروت عاصمة الكتاب وذاكرته الهشة
وكشفت الحرب الأخيرة عن هشاشة غير مسبوقة في بنية المؤسسات الثقافية البيروتية التي باتت عرضة للفناء في لحظة قصف. وأظهرت شهادات أصحاب المكتبات أنهم لم يفقدوا مجرد سلع تجارية بل فقدوا أجزاء من أرواحهم وتاريخهم الشخصي والمهني الذي تجسد في رفوف الكتب التي احترقت أو دفنت تحت ركام المباني المهدمة في الضاحية الجنوبية ومناطق أخرى.
وذكر ناشرون أنهم يحاولون اليوم البحث عن أي وسيلة لإنقاذ ما تبقى من كتبهم أو نقلها إلى أماكن آمنة بعيدا عن نيران الحرب المشتعلة. وبينت ممارساتهم أن الإرادة في الاستمرار لا تزال حاضرة رغم حجم الدمار الهائل الذي أصاب البنية التحتية الثقافية للمدينة وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مستقبل الكتاب الورقي في ظل هذه الظروف الصعبة.
واشار مثقفون إلى أن الثقافة في بيروت لا تموت بسهولة رغم كل ما تواجهه من استهداف ممنهج ومباشر. واكدوا أن الناشرين يسعون جاهدين لإعادة طباعة العناوين الأساسية واللجوء إلى الصيغ الرقمية كوسيلة وحيدة لحماية ما تبقى من إرث معرفي مهدد بالضياع في ظل استمرار العمليات العسكرية التي لا تميز بين حجر وبشر.
قصص من تحت الرماد
وكشفت قصص الناشرين مثل بسام كردي وميادة كيالي ومحمد الهادي عن حجم الفجوة التي خلفتها الحرب في قلوبهم ومشاريعهم الثقافية. وأضافوا أن فقدان مئات الآلاف من الكتب ليس مجرد خسارة مادية تقدر بالملايين بل هو محو لسيرة حياة كاملة وتدمير لجسور التواصل التي بنوها على مدار عقود طويلة بين بيروت وباقي العواصم العربية.
وبين عباس فقيه صاحب مكتبة فيلوسوفيا أن التحدي الأكبر يكمن في كيفية النهوض من الصفر بعد فقدان كل شيء. وأوضح أن النداءات التي يطلقها اليوم تهدف إلى دعم إعادة بناء المكتبات ليس كأماكن للبيع فقط بل كحاضنات أساسية للفكر والمعرفة التي لا يمكن للمدينة أن تستمر في الحياة من دونها.
واختتمت مريم ميرزاده صاحبة كتابخانة حديثها بالتأكيد على أن إنقاذ الكتب كان فعل مقاومة ونهوض في وجه الموت. وأضافت أن الكتب التي نجت من القصف هي الآن ضيوف في بيوت الناشرين بانتظار العودة إلى أرفف جديدة تعيد لبيروت وجهها المشرق وتؤكد للعالم أن الذاكرة الثقافية للمدينة أقوى من كل النيران.











