اسدل الستار مساء الجمعة في باريس على حياة الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي البارز ادغار موران الذي رحل عن عالمنا عن عمر ناهز مئة واربعة اعوام مخلفا وراءه ارثا فكريا ضخما وتاريخا حافلا بالنقد والتحليل.
واعلنت زوجته صباح ابو سلام موران نبأ وفاة المفكر الكبير مؤكدة انه ظل حتى لحظاته الاخيرة منصتا لقضايا العالم الكبرى ومدافعا شرسا عن القيم الانسانية التي شكلت جوهر مسيرته الفكرية الطويلة والممتدة عبر قرن من الزمان.
وبينت التقارير ان موران رحل تاركا فراغا هائلا في الوسط الثقافي والفكري العالمي حيث عرف بشجاعته الادبية وصرامته الاخلاقية التي ميزت كتاباته في نقد الحداثة ومواجهة التعصب ومحاولة فهم تعقيدات الوجود الانساني في عالم متغير.
محطات في حياة المفكر المتمرد
وولد ادغار ناحوم في باريس عام 1921 لعائلة يهودية يونانية الاصل حيث شكلت وفاة والدته وهو في العاشرة من عمره جرحا غائرا في روحه جعله اكثر حساسية تجاه قضايا الفقد والموت والاقتلاع والالم الانساني.
وانضم موران خلال الحرب العالمية الثانية الى صفوف المقاومة الفرنسية ضد النازية واتخذ حينها اسمه المستعار الذي عرف به لاحقا حيث اكتسب ايمانا عميقا بان الفكر يجب ان يظل مرتبطا دائما بمحنة البشر ولا يكون مجرد ترف.
واكد موران من خلال تجاربه المبكرة ان العمل الفكري يكتسب قيمته الحقيقية حين يلامس الواقع ويحاول معالجة اخطاء المجتمعات البشرية التي قد تقودها نحو الدمار او الانهيار الاخلاقي في خضم التحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة في العالم.
القطيعة مع العقائد الجامدة
وكشف موران في مسيرته عن تحول جذري بعد طرده من الحزب الشيوعي عام 1951 وهي التجربة التي دفعته لكتابة مؤلفه النقد الذاتي حيث حذر من مخاطر العقائد المغلقة وضرورة تبني رؤية نقدية مستمرة.
واضاف ان اعماله اللاحقة ركزت على مفهوم الهمجية والبربرية التي تتجاوز الانظمة الاستبدادية لتشمل نزع الصفة الانسانية والاغتراب الذي تفرضه الحداثة في مجالات السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا التي باتت تهيمن على تفاصيل حياة الانسان المعاصر.
وبين ان التقدم التقني لا يعني بالضرورة نفع الانسانية مشيرا الى ان الدول الكبرى تستغل هذه التقنيات لخدمة مصالحها الخاصة وهو ما يكرس استمرار قيم العصر الحديدي المليئة بالعنف والصدمات في عالمنا الحالي.
الفكر المركب ومشروع العمر
ووضع موران اسس مشروعه الفكري الضخم المعروف بالمنهج الذي تضمن ستة مجلدات سعى من خلالها الى كسر الحدود بين المعارف وربط العلوم ببعضها البعض لتقديم رؤية شمولية للواقع الانساني المعقد والمتشابك دائما.
واوضح ان الانقسامات بين التخصصات العلمية تفتت المعرفة وتفرغ الانسان من جوهره الحي ولهذا دعا الى ما سماه الفكر المركب الذي يرفض الاختزال ويعيد الاعتبار للتعقيد كسمة اساسية من سمات الوجود البشري.
وشبه الكثيرون موران بالمفكرين الموسوعيين في الحضارة العربية الاسلامية الذين جمعوا بين الفلسفة والمنطق والطب والعلوم الاخرى في عقل واحد متكامل وهو ما جعل منه مفكرا عالميا يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية في طرحه.
موقف شجاع من القضية الفلسطينية
وكشفت مواقف موران تجاه القضية الفلسطينية عن نزاهة فكرية فريدة حيث رفض ان يكون الجرح اليهودي التاريخي ذريعة لظلم الشعب الفلسطيني مؤكدا ان الضحايا السابقين لا ينبغي ان يتحولوا الى ممارسين للقمع ضد الاخرين.
واضاف ان مقالته الشهيرة التي وصف فيها الوضع بين اسرائيل وفلسطين بالسرطان اثارت جدلا واسعا في فرنسا الا انه ظل متمسكا بموقفه حتى ايامه الاخيرة حيث شارك في احتجاجات غزة وهو في سن متقدمة.
وبين ان موقفه هذا لم يكن نابعا من عداء بل من وفاء للقيم التي دافع عنها طوال حياته والتي ترفض اللاانسانية اينما وجدت وتدعو دائما الى العدالة والحرية لجميع الشعوب دون استثناء او تحيز.











