شهد مركز تعز الابداعي امسية ثقافية استثنائية مزجت بين الفن التشكيلي والانغام الموسيقية في مشهد يعيد تشكيل علاقة المدينة بالجمال. وتسللت الالحان بهدوء بين الحضور لتفتح نوافذ جديدة من التأمل في فضاءات الابداع. واظهرت الفعالية التي اقيمت ضمن الانشطة الاوروبية ومشاريع مراكز الابداع كيف يمكن للفن ان يتجاوز كونه مجرد لوحات معلقة على الجدران ليصبح تجربة شعورية حية يتقاسمها الجمهور لكسر حدة الحياة اليومية المتسارعة.
وبين الحضور ان المعرض الذي حمل عنوان حكاية للفنانة هديل محمد قدم تجربة بصرية مغايرة تماما للمألوف. واكدت الفنانة ان اعمالها ليست اجابات جاهزة بل مساحات مفتوحة تتيح للمتلقي اعادة تركيب المعنى من منظوره الخاص. واضافت ان اللوحات ولدت من رحم مشاعر متراكمة تعكس تفاصيل دقيقة من واقع الحياة اليومية في تعز مثل الحنين والارتباك والهدوء التي تشكل في جوهرها ملامح الانسان في هذه المدينة.
وتابعت ان التجريد في لوحاتها يهدف الى اشراك الجمهور في عملية البناء الفني بدلا من الاكتفاء بالمشاهدة السلبية. واوضحت ان التباين بين الالوان المتصارعة واللحظات الهادئة داخل اللوحات خلق حوارا صامتا وعميقا بين الزوار. وشدد المهتمون على ان هذه الاعمال لم تبحث عن حسم فني بقدر ما سعت الى خلق مساحة تنفس داخل واقع مزدحم بالتحديات والتجارب الانسانية المعقدة التي تتطلب فهما مغايرا.
الموسيقى كجسر نحو التامل البصري
وبينت العازفة شموس رسام ان مشاركتها الموسيقية رفقة الفنان محمد الصبري لم تكن مجرد خلفية صوتية للمعرض. واضافت ان العزف في مثل هذه الفضاءات يختلف عن المسارح التقليدية كونه يخلق حالة شعورية مشتركة بين الموسيقى واللوحات. واكدت ان كل نغمة كانت بمثابة محاولة لفتح طريق نحو فكرة او لون معلق على الجدار مما جعل القاعة تتنفس بايقاع واحد متناغم ومفعم بالاحاسيس الصادقة.
واوضحت رسام ان التفاعل في تعز يتميز بصدق كبير نظرا لان الجمهور يأتي محملا بتجارب حياتية ثقيلة تجعل من الفن حاجة داخلية وليس ترفا. واضافت ان استمرارية هذه الفعاليات تمنح الفنانين دفعة قوية للاستمرار. وبينت ان الموسيقى في هذا السياق تعمل كجسر يربط الحالة البصرية بالوجدان مما يرسخ دور الفن كعنصر اساسي في تعزيز التوازن النفسي والانساني داخل المجتمع المتعب.
واكدت ان التجارب الفنية المشتركة تثبت ان الفن يظل الملاذ الاكثر امانا للتعبير عن الذات. واضافت ان الجمهور يجد في هذه الامسيات فرصة للتحرر من الضغوط اليومية والبحث عن معنى جديد للحياة. وشددت على ان الفن لا يزال حاضرا بقوة في وجدان ابناء تعز رغم كل الظروف المحيطة وهو ما يجعل من هذه المبادرات خطوة ضرورية لاستعادة الروح الثقافية للمدينة.
الفن كاداة لاستعادة التوازن الانساني
وكشف منسق مركز تعز الابداعي جمال المقطري ان هذه الانشطة تستهدف تحويل الفن الى ممارسة يومية بدلا من كونه حدثا نخبوي. واضاف ان الفكرة الجوهرية تقوم على بناء علاقة تفاعلية مستدامة بين الجمهور والابداع. واكد ان هذه المبادرات تفتح حوارا واسعا بين الاجيال المختلفة مما يسهم في تعزيز الروابط الانسانية في زمن تباعدت فيه المسافات وتشتت فيه الاهتمامات بفعل ضغوط الحياة المتلاحقة.
واوضح الباحث عمران الحمادي ان ما تشهده تعز يعكس طاقة ثقافية كامنة تحاول اعادة بناء الذاكرة الفنية للمدينة. واضاف ان الفن اصبح امتدادا للواقع وليس منفصلا عنه حيث تعبر الاعمال عن قلق الانسان وتطلعاته. وبين ان اهمية هذه اللقاءات تكمن في خلق لحظة اجتماع انسانية حقيقية تتجاوز القوالب الجاهزة وتسمح للجميع بالتعبير عن ذواتهم في ظل عالم يبحث عن الجمال وسط الركام.
وتابع ان الجمهور الذي حضر الامسية من طلاب وناشطين جسد حالة من الوعي الجديد باهمية الفن. واضافت الحاضرة سلوى صالح ان التجربة جعلتها تنظر للفن كسؤال مفتوح لا ينتهي بانتهاء المعرض. وبينت ان البقاء الطويل امام اللوحات كان دليلا على عمق التأثير الروحي. واختتمت ان تعز تظل مدينة قادرة على ترك مساحة صغيرة للضوء وسط كل التحديات التي تواجهها يوميا.











