مع حلول ذكرى استقلال الولايات المتحدة الامريكية يميل الكثيرون الى ترديد رواية نمطية حول تحرر شعب موحد من استبداد ملك بريطانيا جورج الثالث في قصة اصبحت من المسلمات التاريخية التي لا تقبل النقاش.
وكشفت وثائق حديثة من الارشيف البريطاني ان الحكاية التي تناقلتها الاجيال اكثر تعقيدا بكثير مما يروج له حيث يرى المؤرخون ان صناع الثورة الامريكية كانوا يدركون تماما ان الحرية تتطلب صياغة حجة مقنعة.
واوضحت التقارير ان ما يسمى بذكرى الاستقلال يخفي خلفه خمس اساطير جرى تداولها لعقود طويلة كحقائق ثابتة بينما تظهر الوثائق التاريخية ان تلك الرواية كانت اقرب الى الدعاية السياسية منها الى الواقع.
حقيقة وثيقة الاستقلال الامريكية
واكدت الوثائق ان اعلان الاستقلال لم يكن مجرد قائمة بحقائق مثبتة بل كان لائحة اتهام مدروسة بعناية ضد التاج البريطاني هدفها كسب التأييد الدولي وتبرير الانفصال عن بريطانيا امام العالم في ذلك الوقت.
وبينت الدراسات ان الموقعين على الوثيقة قاموا بضغط الخلافات المعقدة حول التجارة والسيادة في قصة استبداد واضحة المعالم حيث استهدفوا الملك جورج الثالث كمتهم اول لتحويل القضية الى صراع عادل ومبرر.
واضافت المصادر التاريخية ان العديد من الشخصيات في ذلك الزمن مثل الحاكم السابق توماس هاتشينسون انتقدوا تلك الوثيقة واعتبروها قائمة من المظالم الوهمية التي تفتقر الى الادلة القانونية والموضوعية في مواجهة الحقائق.
صورة الملك جورج الثالث
وكشفت الابحاث الجديدة ان صورة الملك جورج الثالث كطاغية مجنون ليست سوى اختراع دعائي لا يمت للواقع بصلة حيث تظهر الوثائق الملك كحاكم دستوري جاد يتابع تفاصيل السياسة والحكومة عن كثب.
واظهرت المذكرات الملكية ان جورج الثالث كان يميل الى معالجة المظالم بعيدا عن القوة العسكرية في البداية لكنه اضطر لاتخاذ مواقف صارمة بعد تعقد الامور بين المستعمرات والبرلمان البريطاني في تلك الفترة.
واضافت الدراسات ان الملك كان راعيا للفنون والعلوم والفلسفة وادارة شؤون البلاد بمسؤولية كبيرة مما ينفي عنه صفة الطاغية التي الصقتها به الدعاية الامريكية الثورية لتبرير تمردهم ضد سلطة التاج البريطاني.
حقيقة مذبحة بوسطن
واوضحت الحقائق التاريخية ان مذبحة بوسطن الشهيرة لم تحدث بالضرورة كما صورتها لوحة بول ريفير التي اعتبرت اداة دعائية قوية ساهمت في تأجيج المشاعر الشعبية ضد الوجود البريطاني في المدن الامريكية.
وبينت سجلات المحاكم ان تفاصيل الواقعة كانت غامضة ومتناقضة بشهادة الحاضرين حيث تمت تبرئة معظم الجنود البريطانيين بعد محاكمة عادلة قادها المحامي جون ادامز مما يثبت ان الدعاية غالبا ما تبسط الاحداث.
واكدت المصادر ان لوحة المذبحة كانت وسيلة مؤثرة لتحويل الاحداث الى رموز سياسية تخدم قضية الاستقلال بعيدا عن الدقة التاريخية التي تقتضي النظر في كافة الجوانب المتعلقة بالواقعة والمحاكمات التي جرت حينها.
هل كان الامريكيون يريدون الاستقلال
واظهرت الوثائق ان الاستقلال لم يكن مطلبا شعبيا عاما في البداية حيث ارسل المؤتمر القاري عريضة غصن الزيتون للملك جورج الثالث طلبا للمصالحة وهو ما يؤكد ان الانفصال لم يكن حتميا.
واكدت التقارير ان قادة الثورة انفسهم كانوا يصفون انفسهم بالرعايا المخلصين قبل ان تتدهور العلاقات وتتخذ الامور منحى لا رجعة فيه مما يثبت ان الاستقلال جاء نتيجة انهيار محاولات التفاهم وليس كهدف اولي.
وبينت الاحداث ان رفض الملك لاستلام العريضة كان نقطة التحول الحاسمة التي دفعت المستعمرات نحو التمرد الصريح بعد ان ادرك قادة المستعمرات ان طريق المصالحة قد اغلق تماما امام طموحاتهم السياسية والاقتصادية.
حقيقة الشعب الامريكي الموحد
وكشفت التحليلات ان الثورة الامريكية كانت في جوهرها حربا اهلية دامية انقسم فيها المجتمع بين وطنيين وموالين للعرش البريطاني مما ادى الى صراعات داخلية عنيفة مزقت نسيج المدن والولايات في ذلك الزمن.
واضافت المصادر ان العبيد والسكان الاصليين انخرطوا في هذه الحرب بناء على مصالحهم الخاصة مما ينفي اسطورة الشعب الموحد التي تروج لها الاحتفالات الوطنية التي تتجاهل الانقسامات العميقة التي شهدتها البلاد.
وختمت التقارير بان فهم التاريخ الحقيقي ليوم الاستقلال يتطلب نظرة نقدية تتجاوز الاساطير المثالية لنصل الى ادراك اعمق للصراعات والتحولات التي شكلت هوية الدولة الامريكية بعيدا عن الروايات المبسطة والموجهة سياسيا.











