في بلاد غامد تتجلَّى ثروة حقيقية لا تقل قيمة عن أي مورد آخر، تتمثل في رجال أفذاذ خدموا الوطن لعقود طويلة في مجالات متعددة، عادوا إلى قراهم يحملون خبرات عميقة وتجارب ثرية قادرة على إحداث فرق تنموي كبير عندما توضع في المسار الصحيح؛ هذه الطاقات لا ينبغي أن تبقى حبيسة الذاكرة أو محصورة في نطاقها الشخصي، بل يجب أن تتحول إلى أدوات فاعلة في خدمة المجتمع.
من تلك النماذج المضيئة الإعلامي القدير الأستاذ/ حامد الغامدي الذي أمضى عقوداً من الزمن بالعمل في وزارة الإعلام، شارك في تقديم البرامج والنشرات، اكتسب خبرة مهنية يمكن أن تُشكِّل أساساً لبناء جيل إعلامي جديد في منطقة الباحة؛ فالمنطقة اليوم بحاجة ماسَّة إلى كوادر إعلامية مؤهلة قادرة على مواكبة التطور، ونقل صوت المجتمع بوعي واحتراف، وهو ما يمكن تحقيقه عبر نقل الخبرات من الرواد إلى الشباب من خلال الدورات والورش المتخصصة.
وأيضاً، في قرية غزير بمنطقة الباحة يبرز الأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن سعيد آل حجر الغامدي، أحد رواد علم البيئة النباتية بكلية العلوم بجامعة الملك عبد العزيز، فقد قدَّم إسهامات علمية متميزة، أشرف على العديد من الرسائل والأبحاث، يمتلك معرفة دقيقة بالبيئة النباتية في المنطقة، تلك الخبرة تُمثِّل ركيزة أساسية لأي مشروع تشجير ناجح في ظل التحديات البيئية التي تتطلب تخطيطاً علمياً دقيقاً.
إنَّ مشاريع التشجير بالباحة رغم أهميتها لا ينبغي أن تُنفذ بصورة عشوائية، بل يجب أن تقوم على أسس علمية تراعي طبيعة البيئة، واختيار الأنواع المناسبة، واستبعاد النباتات الضارة، بما يضمن استدامة الغطاء النباتي؛ من هنا تتأكد أهمية إشراك المختصين، في مقدمتهم الدكتور عبد الرحمن آل حجر لقيادة هذه المبادرات سواءً عبر الإشراف المباشر أو من خلال فرق تطوعية منظمة بالتعاون مع الجهات التعليمية والبيئية؛ أشار في أحد اللقاءات الصحفية أنه على استعداد لنقل خبراته الأكاديمية والبحثية للمستفيدين في مجال علم البيئة النباتية لتعزيز الوعي البيئي المجتمعي عندما تدعو الحاجة لذلك.
في الوقت الحاضر ليست الإشكالية في غياب هذه الكفاءات، بل في غياب المبادرات المؤسسية التي تسعى لاستقطابها وتفعيل دورها؛ فليس من المنطقي أن يُطلب من هذه القامات التعريف بأنفسهم، أو البحث عن فرص للمساهمة، بل الواجب أن تتوجه الجهات المعنية لاستقطابهم للعمل معاً عبر تنظيم برامج وندوات ومشاريع للاستفادة من خبراتهم بشكل منهجي صحيح.
إن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وإذا كانت بلاد غامد تزخر بهذه العقول، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجهات الرسمية والأهلية في استثمارها قبل أن تتحول إلى مجرد صفحات في الذاكرة؛ فالعلم إذا لم يُفعّل، والخبرة إذا لم تُستثمر، تتحول إلى طاقة مهدرة، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى كل فكرة ناضجة أو تجربة ناجحة تدفع بعجلة التنمية إلى الأمام.










