شهدت اروقة معرض الدوحة الدولي للكتاب نقاشات فكرية عميقة حول مفاهيم الميثاق والتعايش في التراث الاسلامي، حيث نظم مركز الدوحة الدولي لحوار الاديان ندوة متخصصة استعرضت رؤى اكاديمية حول تحديات الانسان المعاصر.
واشار الباحثون الى ان هذه الدراسات لا تكتفي بالسرد التاريخي، بل تسعى لتقديم اجابات عملية تلامس الواقع الدامي الذي يعيشه العالم اليوم، مؤكدين ان التراث يمتلك ادوات كافية لمعالجة الازمات الاخلاقية الراهنة.
وبين المشاركون ان البحث عن جذور الميثاق في الفكر الاسلامي يمثل ضرورة ملحة لاستعادة التوازن في العلاقات الدولية، خاصة في ظل غياب المواثيق الاخلاقية التي تحمي حقوق الشعوب وتصون كرامة الانسان في كل مكان.
ميثاق مع الله في ظل الازمات
واستعرض الدكتور ابراهيم محمد زين كتابه الميثاق مع الله حجر الزاوية في الاسلام، موضحا ان العمل تطور من رصد تاريخي لعهود النبي الى دراسة فلسفية عميقة لمفهوم الميثاق كقيمة انسانية مشتركة.
واكد زين ان الفصول الاخيرة من كتابه كتبت اثناء العدوان على غزة، لتكشف بوضوح عن الخلل الكبير في النظام العالمي المعاصر الناتج عن غياب العهود والمواثيق التي تحكم سلوك الدول والمجتمعات اليوم.
وشدد الباحث على ان الميثاق في المنظور الاسلامي ليس تراثا جامدا، بل هو تشخيص دقيق لما يفتقده العالم من قيم اخلاقية، داعيا الى استلهام هذه المبادئ لبناء حضارة تقوم على العدل والتعايش.
من الخلاف الداخلي الى المشترك الانساني
واوضح الدكتور الكوري السالم ان كتابه المشتركات العقدية في الديانات السماوية يمثل امتدادا لجهوده في تدبير الخلاف، مشيرا الى ضرورة توسيع دائرة الحوار لتشمل اهل الكتاب في ظل تصاعد صراع الحضارات المفتعل.
واضاف السالم ان العقل الباحث حين يرتب بيته الداخلي ينتقل بالضرورة نحو البحث عن مساحات مشتركة مع الاخر، معتبرا ان هذه الحركة الفكرية تعد ضرورة لمنع تغول المصالح على القيم الاخلاقية العليا.
وبين ان التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل هذه المشتركات العقدية الى واقع ملموس يردع الصراعات، خاصة تلك التي تغذيها اطماع القوة والمصالح السياسية الضيقة التي تسيطر على المشهد العالمي الحالي.
صحيفة المدينة كنموذج للتعايش
واكد المتحدثون ان صحيفة المدينة تمثل وثيقة دستورية متقدمة سبقت عصرها، حيث اقرها النبي لضمان حرية المعتقد والعدالة لجميع البشر، في وقت كانت فيه الامبراطوريات المجاورة تمارس الاضطهاد الديني والمذهبي الصارم.
واوضحوا ان القراءة العصرية لهذه الوثيقة تهدف الى انتزاع خطاب التعايش من التوظيف الغربي، واعادته الى اصوله الاسلامية التي تبدأ بالتكريم الانساني المطلق وتجعل من التنوع البشري جسرا للتعارف والتآلف والتعايش السلمي.
وختم الحضور بالتأكيد على ان المنهجية القرآنية القائمة على التعارف المعرفي هي الترياق الوحيد لخطابات العنصرية المتصاعدة، داعين الى تفعيل هذه الدراسات النظرية في الواقع المعاصر لحفظ كرامة الانسان وضمان استدامة العدل العالمي.











