شهد صالون معرض الدوحة الدولي للكتاب نقاشا فكريا معمقا حول مصير المخطوطات العربية في ظل التطور التقني المتسارع، حيث بحث خبراء ومختصون كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في حماية التراث المكتوب من الاندثار.
واستعرض المشاركون في الندوة التي نظمها الملتقى القطري للمؤلفين تحديات الرقمنة، مؤكدين أن المخطوط يمثل أقدم أشكال المعرفة البشرية وأكثرها هشاشة، مما يستدعي حلولا مبتكرة تضمن استدامة هذه الكنوز التاريخية للأجيال القادمة.
وبين المتحدثون أن السؤال الجوهري لا يتعلق بقدرة الآلة على القراءة فحسب، بل بكيفية تسخير الخوارزميات لدعم المحققين في مهامهم المعقدة، مع التشديد على أن التقنية تظل أداة مساعدة لا تغني عن العقل.
آفاق التقنية في خدمة التراث المخطوط
وأوضح الدكتور يحيى محمد الحاج أن التحديات المادية التي تواجه المخطوطات تشمل التلف والندرة وتشتت النسخ، مشيرا إلى أن الذكاء الاصطناعي يقدم حلولا جذرية في الترميم الرقمي والتعرف على الخطوط الباهتة والصعبة.
وأضاف أن الباحثين باتوا قادرين على اختصار شهور من العمل المقارن في ساعات معدودة، معتبرا أن الخوارزميات قادرة على فك شفرات استعصت طويلا على العيون البشرية بفضل التدريب المسبق على آلاف الصفحات.
وشدد الحاج على أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه استبدال الباحث المتخصص، لأن النصوص التراثية تحمل سياقات لغوية وتاريخية عميقة تتطلب حسا نقديا بشريا لا تملكه البرمجيات مهما بلغت درجة تطورها التقني.
مخاطر الخوارزميات في فهم السياق العقدي
وأكد الدكتور عبد القادر بخوش أن الخطر يكمن في تعامل الآلة مع النصوص كبيانات مجردة، حيث تفتقر الخوارزميات للقدرة على إدراك المصطلحات الدقيقة أو السياقات المذهبية التي قد يغير خطأ واحد فيها المعنى.
وأوضح بخوش أن الخطأ في الرقمنة قد ينسب لعلماء أقوالا لم يصدروها، مما يستوجب بقاء المحقق كعنصر حاسم في عملية الترجيح بين الروايات ومراجعة النتائج النهائية لضمان الدقة العلمية والموضوعية التامة.
وبين أن الاعتماد الكلي على الآلة دون تمحيص بشري قد يؤدي إلى ملء الفجوات في النصوص بمعلومات تبدو سليمة لغويا لكنها تاريخيا أو عقائديا مستحيلة، مما يجعل الرقابة البشرية ضرورة علمية قصوى.
نحو نموذج تكاملي للحفاظ على الذاكرة
ودعا المشاركون إلى ضرورة تطوير أدوات ذكاء اصطناعي متخصصة في التراث الإسلامي واللغة العربية، بدلا من الاعتماد على تقنيات عامة صممت للغات أخرى قد تتعامل مع المخطوط العربي كحالة ثانوية هامشية.
واضاف الخبراء أن هذا النموذج التكاملي يجمع بين خبرة العلماء وقدرات المبرمجين، مما يضمن خدمة التراث دون الإخلال بأصالته، مع تدريب الباحثين على استخدام هذه الأدوات التقنية بشكل احترافي وواع ومدروس.
واكد الحضور في ختام الندوة أن المخطوط الذي ينتظر يداً أو خوارزمية لفك شفرته سيظل جوهر الذاكرة العربية، مشددين على أهمية تطويع التكنولوجيا لتكون خادمة للأصالة لا أداة لإعادة تشكيلها بمنطق غريب.











