تُعد المنتزهات والغابات الواقعة جنوب محافظة بلجرشي في قطاع بالشهم من أجمل المواقع الطبيعية التي اشتهرت بها منطقة الباحة لعقود طويلة؛ كانت غابات الشكران، ومنتزه القمع (القمم حالياً)، وغابة ماطوه، وغابة الملتقى، تزخر بأشجار العرعر المُعمِّرة التي كانت ترسم لوحة خضراء آسرة تجذب آلاف المتنزهين والمصطافين خلال فصل الصيف وعلى مدار العام.
تلك المواقع شهدت خلال السنوات الأخيرة تراجعاً بيئياً ملحوظاً بعدما تعرضت معظم الأشجار للموت والسقوط؛ مساحات واسعة منها في الوقت الحاضر باتت أراضٍ جرداء نتيجة لعدة عوامل منها: الاحتطاب الجائر، تراجع معدلات الأمطار، إصابة بعض الأشجار بالآفات والأمراض، أعمال التجريف التي طالت بعض المواقع، رمي النفايات التي تسمم التربة.
من المؤسف أن تلك المواقع رغم قربها من سدود مهمة مثل سد ماطوه وسد القمع لم تحظى بالعناية البيئية التي تستحقها، وأيضاً فإن إحاطة منتزه القمم بالأسلاك الشائكة لم يُحقِّق الهدف المنشود في حماية الغطاء النباتي أو إعادة تأهيله حيث بقيت الأشجار في حالة تراجع مستمر حتى يومنا هذا.
اللافت أن المنتزهات سابقة الذكر كانت تضم خدمات سياحية متكاملة قبل أكثر من عقدين من الزمن، احتضنت تلفريك أثرب الشهير الذي كان يُمثِّل أحد أبرز معالم السياحة في المنطقة قبل أن تتوقف خدماته وتتراجع الحركة السياحية تدريجياً مع تدهور الغطاء النباتي.
اليوم تبدو الحاجة مُلحَّة أكثر من أي وقت مضى بأن تتبنى وزارة البيئة والمياه والزراعة ممثلة بفروعها في كافة المحافظات بالتعاون مع أمانة المنطقة والجهات ذات العلاقة مشروعاً متكاملاً لإحياء هذه الغابات وإعادتها إلى سابق عهدها لما تُمثله من قيمة بيئية وسياحية واقتصادية، يستند المشروع على خطة علمية مدروسة تعتمد على زراعة الأنواع المحلية الأكثر ملاءمة لطبيعة المنطقة كأشجار العرعر، والزيتون البري (العتم)، والسدر، والطلح (السمر)، مع إمكانية الاستفادة من زراعة أشجار الكينا في المواقع المناسبة لها بعيداً عن الأنواع النباتية الأخرى التي تتنافس معها.
في ذات السياق يمكن الاستفادة من المياه في السدود المجاورة لدعم الأشجار الحديثة عبر شبكات ري حديثة خلال السنوات الأولى من نموها لتصبح قادرة على الاعتماد على نفسها مستقبلاً؛ ناهيك عن إشراك المتطوعين والمهتمين بالبيئة في حملات التشجير وفق خطة علمية مدروسة، مع تقسيم المواقع إلى قطاعات لتتولى كل مجموعة رعاية عدد محدد من الأشجار ومتابعتها بما يضمن ارتفاع نسبة نجاح المشروع واستدامته.
من طرق التشجير الحديثة تنظيم عملية غرس الأشجار على شكل تجمعات نباتية متجانسة بحيث تخصص مساحات مستقلة لكل نوع من الأشجار، يفصل بينها ممرات أو طرق للمشاة والصيانة، هذا الأسلوب من الزراعة سوف يكون أكثر تنسيقاً ويقلل من التنافس بين الأنواع المختلفة على الماء والعناصر الغذائية مما يساعد على نمو الأشجار بصورة أفضل ويضفي على المنتزهات طابعاً حضارياً وجذاباً.
إنَّ إعادة الحياة إلى غابات جنوب بلجرشي ليست مشروعاً موسمياً، إنَّه استثمار طويل الأمد في البيئة والسياحة وجودة الحياة؛ وعندما تبدأ أعمال التأهيل اليوم وفق رؤية واضحة فإن تلك الأشجار ستتحول خلال عشرة أعوام إلى غابات وارفة الظلال تُعيد للمنطقة مكانتها الطبيعية، وتمنح الأجيال القادمة إرثاً بيئياً وسياحياً يبعث على الفخر، لتعود منتزهات بالشهم كما كانت إحدى أجمل الوجهات الطبيعية في منطقة الباحة.











